كل إنسان مرّ بلحظةٍ تمنى فيها لو يستطيع أن يبتعد عن كل شيء. لا لأنه يكره الحياة، بل لأنه تعب من التظاهر بأن كل شيء على ما يرام، بينما في داخله أشياء لا يعرف كيف يشرحها. فيبدأ بالهروب، ليس إلى مكانٍ بعيد، بل إلى أي شيء يبعده عن أفكاره. قد يطيل النوم، أو يغرق في هاتفه، أو يقضي ساعاتٍ أمام الأفلام، أو يعيد الأغنية نفسها عشرات المرات، فقط لأنه يحتاج إلى لحظةٍ لا يسمع فيها صوت ما يدور داخله.
المؤلم أن الإنسان يعرف أن الهروب لن يغيّر شيئًا، لكنه يعود إليه كلما ضاقت به الحياة. ليس لأنه ضعيف، بل لأن بعض الأوجاع تكون أكبر من أن تُواجه دفعةً واحدة. فيؤجلها، ويقنع نفسه أن الوقت سيخففها، بينما هي تكبر بصمت، حتى تصبح أثقل مما كانت عليه.
والواقع لا يختفي لأننا تجاهلناه. قد يمنحنا الهروب ساعاتٍ من الهدوء، لكنه لا يمحو ما نحمله في داخلنا. فنعود بعد أيام أو أسابيع لنجد أن كل ما حاولنا الابتعاد عنه ما زال في مكانه، وكأنه كان ينتظر عودتنا.
وربما لا يحتاج الإنسان إلى حياةٍ مثالية حتى يتوقف عن الهروب، بل يحتاج إلى شخصٍ يشعر معه أن الحمل أصبح أخف. فهناك كلمات صادقة قد تغيّر يومًا كاملًا، ووجودٌ صادق قد يجعل الواقع أقل قسوة مما كان عليه. فالإنسان لا يبحث دائمًا عن حل، بل يبحث أحيانًا عن شعورٍ بالأمان.
