لا أحد يقول لنا إن هذا الطريق سنمشيه للمرة الأخيرة، أو إن هذا اللقاء لن يتكرر، أو إن الضحكة التي نعيشها الآن ستصبح يومًا مجرد ذكرى.
ولهذا، نعيش كثيرًا من النهايات دون أن نشعر بأنها نهايات.
ربما كانت آخر مرة جلسنا فيها مع شخص نحبه، ولم نكن نعلم أنها الأخيرة. وربما ودعنا أحدًا على أمل اللقاء قريبًا، ثم اكتشفنا أن الحياة كانت قد كتبت نهاية مختلفة.
ليس الأمر متعلقًا بالأشخاص فقط.
هناك آخر مرة لعبنا فيها كأطفال، وآخر مرة حملنا حقيبتنا المدرسية دون أن ندرك أنها النهاية، وآخر مرة نادانا أحد بأسمائنا الصغيرة، وآخر مرة عدنا إلى مكان كنا نظن أننا سنبقى فيه دائمًا.
الغريب أننا لا نشعر بقيمة اللحظة وهي تحدث، بل ندركها بعد أن تصبح ذكرى. وكأن الزمن لا يكشف لنا جمال الأشياء إلا بعد أن يأخذها منا.
ولهذا، نبقى أحيانًا متعلقين بتفاصيل بسيطة لا يفهمها أحد غيرنا. أغنية، أو رائحة، أو شارع قديم، أو صورة منسية في ألبوم الهاتف. ليست لأنها أشياء مميزة، بل لأنها تحمل آخر مرة عشنا فيها شعورًا لن يعود كما كان.
ومع مرور الوقت، نفهم أن الحياة لا تسألنا إن كنا مستعدين للوداع. بعض الأبواب تُغلق بهدوء، وبعض الأشخاص يرحلون دون ضجيج، وبعض المراحل تنتهي بينما نحن مشغولون بالتفكير في الغد.
وفي النهاية…
إذا علمتني الحياة شيئًا، فهو أن أعيش اللحظة قبل أن تتحول إلى ذكرى. أن أقدّر الأشخاص وهم معي، لا بعد رحيلهم، وأن أقول الكلام الجميل قبل أن يصبح متأخرًا. لأن أصعب ما قد يعيشه الإنسان، ليس فقدان الأشياء… بل اكتشافه المتأخر أن ما فقده، كان آخر مرة، ولم يكن يعلم.

