يظن كثير من الناس أن النسيان يحتاج إلى وقت فقط، وأن الأيام كفيلة بمحو كل ما يؤلمنا. لكن مع مرور العمر، نكتشف أن بعض الذكريات لا تقاس بالسنوات، بل بالأثر الذي تركته فينا. فهناك لحظات انتهت منذ زمن، لكنها ما زالت تعيش داخلنا وكأنها حدثت بالأمس.
الغريب أن الذاكرة لا تحتفظ بكل شيء. فنحن ننسى وجوهًا مررنا بها، وأحاديث دارت بيننا، وأيامًا عشناها كاملة. لكنها تتمسك بلحظةٍ واحدة غيّرتنا؛ كلمة لم نتوقعها، وداع لم نستعد له، أو شخص ظننا أنه سيبقى، ثم رحل. وكأن العقل لا يحفظ الأحداث، بل يحفظ ما شعر به القلب أثناءها.
لهذا لا تؤلمنا الذكريات لأنها من الماضي، بل لأنها تعيد إلينا الشعور نفسه كلما مررنا بها. فقد ننسى تفاصيل المكان، لكننا لا ننسى كيف كنا نشعر. وقد ننسى التاريخ، لكننا لا ننسى أثر ذلك اليوم في داخلنا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نقضي حياتنا نحاول الهروب من الذكريات أو محاربتها. فهي جزء من قصتنا، وجزء من الشخص الذي أصبحنا عليه. وربما لا يكون الشفاء في أن ننسى، بل في أن نتذكر دون أن يؤلمنا التذكر كما كان في السابق.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة أن بعض الذكريات لا تغادرنا، بل أننا نظل نعود إليها كلما اشتقنا إلى نسخةٍ قديمة من أنفسنا، أو إلى أشخاصٍ لم يعودوا جزءًا من حياتنا. فالنسيان ليس أن تختفي الذكرى، بل أن تتوقف عن امتلاك القدرة على كسر قلبك كلما مرت في بالك.
