هناك فراغ لا يشبه الوحدة، ولا يشبه الحزن، ولا حتى الملل.
فراغ يزورك في أكثر الأيام هدوءًا، ويجلس معك حتى وأنت محاط بالناس. تحاول تقنع نفسك أن كل شيء بخير، لأن حياتك من الخارج تبدو طبيعية، لكن في داخلك شيء لا تعرف كيف تشرحه.
تستيقظ، تمضي في يومك، تبتسم، تتحدث، تنجز ما عليك… ثم تعود في آخر الليل لتشعر أن هناك شيئًا ناقصًا، رغم أنك لا تعرف ما هو.
والغريب أن هذا الفراغ لا يطلب شيئًا محددًا.
لا يختفي برسالة، ولا بطلعة، ولا بشراء شيء جديد، ولا حتى بالانشغال. لأنه ليس فراغ وقت، بل فراغ شعور.
تحاول الهروب منه، فتملأ يومك بكل شيء. تتصفح هاتفك لساعات، تسمع الأغاني، تخرج، تعود، تنام… لكن أول ما يهدأ كل شيء، يعود هو من جديد، وكأنه كان ينتظرك.
ربما لهذا السبب، نخاف من الصمت أحيانًا. ليس لأن الصمت مخيف، بل لأنه يجعلنا نسمع ما كنا نهرب منه طوال الوقت.
ومع مرور الأيام، ندرك أن الفراغ لا يعني دائمًا أن حياتنا ناقصة. أحيانًا يعني أننا ابتعدنا عن أنفسنا أكثر مما كنا نظن. انشغلنا بكل شيء، إلا بالجلوس مع أنفسنا، وفهم ما تحتاجه فعلًا.
يمكن الفراغ ما جاء ليعذبنا، بل ليخبرنا أن هناك جزءًا داخلنا يحتاج اهتمامًا، لا هروبًا.

