في مرحلةٍ ما، تكتشف أنك تغيّرت. ليس لأنك أردت ذلك، بل لأن التجارب غيّرت فيك أشياء لم تكن تتوقع أن تتغير. تصبح أكثر هدوءًا، أكثر حذرًا، وأقل اندفاعًا. ليس لأنك فقدت القدرة على الشعور، بل لأنك تعبت من تكرار الخيبات.
في البداية، كنت أعتقد أن الاهتمام الزائد، والصبر، والتنازل، كلها أشياء تحافظ على العلاقات. كنت أظن أن كل ما أقدمه سيعود إليّ يومًا، لكنني اكتشفت أن بعض الأشخاص يأخذون كل شيء، دون أن يشعروا بما قدمته لهم.
ومع الوقت، بدأت أفقد نفسي دون أن أشعر. صرت أركز على إسعاد الآخرين أكثر من راحتي، وأبحث عن رضاهم أكثر من راحة قلبي. كنت أظن أن هذا هو الحب، حتى أدركت أن الحب الحقيقي لا يجعلك تنسى نفسك، ولا يجعلك تشعر أن قيمتك مرتبطة ببقاء شخص في حياتك.
العودة إلى النفس لا تحدث في يوم واحد، بل تبدأ بلحظة صغيرة. لحظة تقرر فيها أن تتوقف عن لوم نفسك على كل شيء، وأن تتوقف عن مطاردة من اختار الابتعاد. تبدأ عندما تفهم أن بعض الأبواب إذا أُغلقت، لم تُغلق لتؤذيك، بل لتحميك من الاستمرار في مكان لم يعد يشبهك.
بعدها، تبدأ تكتشف أشياء كنت غافلًا عنها. تعود لهواياتك، لأحلامك، للأشخاص الذين كانوا يحبونك دون شروط. وتدرك أن الحياة لم تكن شخصًا واحدًا، ولا علاقة واحدة، ولا تجربة واحدة.
وربما أجمل شعور يصل إليه الإنسان، هو أن ينظر إلى نفسه بعد كل ما مر به، ويقول: “نجوت… وما زلت قادرًا على البدء من جديد.”
وفي النهاية…
إذا شعرت يومًا أنك فقدت نفسك وأنت تحاول إرضاء الآخرين، فتوقف قليلًا واسأل نفسك: متى كانت آخر مرة اخترت فيها راحتك قبل كل شيء؟ لا تجعل خوفك من الفقد يجعلك تتمسك بكل من يرحل، ولا تربط قيمتك بمن لم يعرف كيف يقدّرها. عد إلى نفسك، وامنحها ما كانت تبحث عنه عند الآخرين، لأن الشخص الذي يجد السلام داخل نفسه، لن يبحث عنه في المكان الخطأ مرة أخرى.

